top of page

الشعوذة ليست دائماً طقوساً غامضة أو ادعاءات خارقة للطبيعة، بل قد تظهر بأشكال أكثر تعقيداً وأشد تأثيراً في حياة الناس. فجوهر الشعوذة يكمن في تقديم الادعاء على أنه حقيقة، أو الاحتمال على أنه يقين، أو الرأي الشخصي على أنه علم لا يقبل النقاش.

ومن صورها شعوذة الاجتهادات الشخصية التي تعتمد على الانطباعات والتجارب الفردية دون دليل كافٍ، حيث تتحول التجربة المحدودة إلى قاعدة عامة. وهناك شعوذة المصالح الذاتية التي تُغلّف الرغبات التجارية أو المكاسب الخاصة بعبارات علمية أو أخلاقية أو إنسانية لجذب الثقة والتأثير في الناس.

وتظهر كذلك شعوذة المأثور والعادة حين تُمنح بعض الأفكار حصانة من النقد لمجرد قِدمها أو شيوعها أو ارتباطها بالتراث، مع أن الزمن وحده ليس دليلاً على الصحة أو الفاعلية. كما توجد شعوذة الأيديولوجيا والعقائد الفكرية عندما تُستخدم القناعات المسبقة لتفسير كل شيء وتوجيه الأحكام بعيداً عن المراجعة الموضوعية.

أما أخطر الأنواع فهي الشعوذة المهنية؛ حين يكتسب الادعاء قوة إضافية من اللقب أو المؤهل أو الشهرة أو المنصب. فالمؤهل العلمي يمنح صاحبه حق إبداء الرأي في حدود تخصصه، لكنه لا يحوّل كل ما يقوله إلى حقيقة ثابتة. وكثيراً ما يخلط الناس بين احترام الشخص واحترام الفكرة، وبين مكانة المتحدث وصحة ما يطرحه.

وفي عصر الإعلام الرقمي أصبحت الشعوذة أكثر قدرة على الانتشار، إذ يكفي مقطع مصوّر متقن أو لغة واثقة أو جمهور كبير ليكتسب الادعاء مظهراً من المصداقية لا يستحقه. وهنا لا تعود المشكلة في وجود المضللين فحسب، بل في قابلية المتلقي للتسليم والتصديق دون تمحيص.

لذلك تبقى المسؤولية الشخصية خط الدفاع الأول. فالفطنة لا تعني الشك في كل شيء، وإنما تعني التمييز بين الدليل والدعاية، وبين الخبرة والادعاء، وبين الاحتمال والحقيقة. كما أن التقصي الواعي لا يقتصر على السؤال: «من قال؟» بل يمتد إلى السؤال الأهم: «ما الدليل؟ وكيف عُرف؟ وما حدود اليقين فيه؟».

ففي زمن تتزاحم فيه الآراء والمصالح والشهادات والألقاب، لا تكون النجاة بكثرة ما نسمع، بل بحسن ما نميّز ونفحص ونختار

اخلاء مسؤولية: يقدم الموقع محتوى تثقيفياَ عاماَ ولا يعد بديلاَ عن التشخيص او العلاج من المختص او الطبيب المتخصص بالتغذية اذ قد تختلف ملاءمة المعلومات باختلاف الحالة الصحية لكل فرد

bottom of page