في السنوات الأخيرة تزايد انتشار الوصفات العشبية والدوائية العامة عبر وسائل التواصل والإعلام الجديد، وغالباً ما تُقدَّم على أنها حلول بسيطة وآمنة لمشكلات صحية متنوعة. ويستند كثير من المروجين لها إلى عبارات شائعة مثل "جرّب ولن تخسر شيئاً" أو "إن لم تنفع فلن تضر"، وهي عبارات تبدو مطمئنة لكنها لا تستند بالضرورة إلى أسس علمية راسخة.
فالفهم العلمي الحديث يؤكد أن أي مادة ذات قدرة على إحداث أثر مفيد في الجسم قد تكون لها أيضاً آثار جانبية أو تداخلات دوائية أو اختلافات في الاستجابة بين الأفراد. كما أن سلامة الاستخدام لا تعتمد على المادة نفسها فقط، بل على الجرعة والحالة الصحية والعمر والأدوية المصاحبة وعوامل أخرى كثيرة.
وتشير الخبرات المختصة إلى أن كثيراً من المشكلات لا تنشأ من سوء النية، بل من التعميم. فما قد يكون مناسباً لشخص معين أو في ظرف محدد قد لا يكون مناسباً لغيره. كما أن التحسن الذي يحدث بعد تجربة معينة لا يعني بالضرورة أن الوصفة كانت السبب المباشر، إذ قد تتداخل عوامل عديدة مثل التحسن الطبيعي للحالة أو تغير نمط الحياة أو تأثير التوقعات النفسية.
ومن الاتجاهات الحديثة في الرعاية الصحية الانتقال من ثقافة الوصفات العامة إلى مفهوم الرعاية الشخصية المبنية على الأدلة، حيث تُقيَّم الفوائد والمخاطر وفق ظروف كل فرد بدلاً من الاعتماد على التجارب الفردية أو الشهادات الشخصية وحدها.
لذلك يدعو المختصون إلى قدر أكبر من التروي عند تداول أو تطبيق الوصفات العشبية والدوائية، وإلى التمييز بين التجربة الشخصية والدليل العلمي. فليس المطلوب رفض كل جديد، وإنما التعامل معه بقدر متوازن من الانفتاح والحذر، لأن سلامة الإنسان لا تتحقق بكثرة التجارب، بل بحسن تقدير المنافع والمخاطر في ضوء المعرفة العلمية المتاحة.
يمكن تناول الفكرة بصيغة علمية متوازنة لا تنتقد المختصين الجدد، بل تدعو إلى التواضع العلمي والحذر في التطبيق:
من الملاحظ في السنوات الأخيرة أن بعض الممارسين الجدد في مجالات التغذية والصحة يميلون إلى التطبيق الحرفي لمعايير ومؤشرات وضعت أساساً لأغراض إحصائية أو سكانية عامة، مثل جداول الوزن المثالي أو حسابات السعرات الحرارية التقليدية أو تركيب الأغذية الواردة في المراجع القديمة. ورغم أهمية هذه الأدوات في التعليم والتقييم الأولي، فإن العلم الحديث ينظر إليها بوصفها تقديرات تقريبية أكثر من كونها حقائق مطلقة.
فقد أظهرت الأبحاث أن احتياجات الإنسان للطاقة والعناصر الغذائية تختلف بدرجة كبيرة بين الأفراد تبعاً للعمر والجنس وتركيب الجسم والنشاط البدني والحالة الصحية والعوامل الوراثية والهرمونية وحتى تركيب الميكروبات المعوية. كما أن كمية الطاقة المكتوبة في جداول الأغذية لا تعني بالضرورة أن جميع الأفراد يمتصونها أو يستفيدون منها بالطريقة نفسها، إذ تختلف عمليات الهضم والامتصاص والتمثيل الغذائي بين الأشخاص.
كذلك فإن مؤشرات الطول والوزن مثل مؤشر كتلة الجسم تبقى أدوات مفيدة على مستوى السكان، لكنها لا تعكس دائماً بدقة تركيب الجسم أو مستوى اللياقة أو توزيع الدهون أو الحالة الصحية الفردية. ولهذا أصبح الاتجاه العلمي الحديث أكثر ميلاً إلى تقييم الإنسان كحالة متكاملة بدلاً من اختزاله إلى رقم أو معادلة.
ومن هنا تبرز أهمية التريث والاحتياط عند تقديم التوصيات الغذائية أو العلاجية، خاصة في الحالات المرضية. فالعلم المعاصر لا يتجه نحو مزيد من التعميم، بل نحو مزيد من التفريد والشخصنة، مع الاعتراف بأن ما يصلح لشخص قد لا يكون الأنسب لآخر. ولذلك تبقى الحكمة المهنية في الجمع بين الأدلة العلمية والخبرة السريرية وخصوصية الفرد، بعيداً عن التطبيق الجامد لأي معيار أو جدول أو معادلة مهما بلغت شهرتها أو انتشارها.
إن التطور الحقيقي في علوم التغذية لا يتمثل في حفظ مزيد من الجداول والحسابات، بل في فهم حدودها واستخدامها كأدوات إرشادية ضمن رؤية أوسع وأكثر مرونة وإنسانية
