تفسير السكر
منذ نحو خمسين عاماً كان الفهم السائد لمرض السكري، وخاصة النوع الثاني، أبسط بكثير مما هو عليه اليوم. فقد كان المرض يُنظر إليه على أنه نتيجة مباشرة للإفراط في تناول السكر أو زيادة الوزن، وكان التركيز ينصب على البنكرياس وقدرته على إفراز الإنسولين. وكان الاعتقاد أن المشكلة الأساسية تكمن في عجز هذا العضو عن تلبية احتياجات الجسم، وأن العلاج يتمثل في خفض السكر في الغذاء أو تعويض النقص بالأدوية والإنسولين.
ومع تقدم الأبحاث تغيرت الصورة تدريجياً. فقد تبين أن كثيراً من المصابين بالسكري من النوع الثاني لا يعانون في المراحل الأولى من نقص الإنسولين، بل على العكس قد تكون مستويات الإنسولين لديهم مرتفعة. وهنا ظهر مفهوم "مقاومة الإنسولين"، أي أن خلايا الجسم لا تستجيب للإنسولين بالكفاءة المطلوبة، مما يدفع البنكرياس إلى إنتاج كميات أكبر منه للحفاظ على مستوى السكر ضمن الحدود الطبيعية. ومع مرور الزمن يُرهق البنكرياس وتتراجع قدرته على التعويض فيرتفع مستوى السكر في الدم.
ثم توسع الفهم العلمي أكثر، فلم يعد التركيز مقتصراً على البنكرياس وحده، بل شمل الكبد والعضلات والأنسجة الدهنية والجهاز الهضمي وحتى الدماغ. واتضح أن تراكم الدهون في الكبد والبطن يلعب دوراً محورياً في اضطراب استجابة الجسم للإنسولين. كما تبين أن الخلايا الدهنية ليست مجرد مخازن للطاقة، بل أعضاء نشطة تفرز مواد تؤثر في الالتهاب والتمثيل الغذائي وحساسية الإنسولين.
وفي العقود الأخيرة برزت أهمية العوامل الوراثية، حيث أظهرت الدراسات وجود مئات المتغيرات الجينية التي تزيد أو تنقص قابلية الإصابة بالسكري، وإن كانت الجينات وحدها لا تفسر الزيادة الكبيرة في انتشار المرض حول العالم. ولذلك أصبح التفاعل بين الاستعداد الوراثي ونمط الحياة الحديث هو التفسير الأكثر قبولاً. فالجلوس الطويل، وقلة النشاط البدني، وزيادة استهلاك الأغذية عالية السعرات، واضطراب النوم، والضغوط النفسية المزمنة، جميعها عوامل تساهم في ظهور المرض لدى الأشخاص المهيئين له.
كما تغيرت النظرة إلى دور الأمعاء والميكروبات المعوية. فبعد أن كانت هذه الكائنات الدقيقة مجهولة التأثير تقريباً، أصبحت اليوم محوراً لآلاف الدراسات التي تبحث في علاقتها بالوزن والشهية وتنظيم السكر والالتهابات. ورغم أن كثيراً من التفاصيل لا يزال قيد البحث، فإن هذا المجال فتح آفاقاً جديدة لفهم المرض.
ومن التطورات المهمة أيضاً الانتقال من اعتبار السكري مرضاً لا يمكن إلا السيطرة عليه إلى الاعتراف بإمكانية تحقيق تحسن كبير أو حتى هدوء طويل الأمد للحالة لدى بعض المرضى من خلال فقدان الوزن وتغيير نمط الحياة. وقد دعمت دراسات عديدة فكرة أن خفض الدهون المتراكمة في الكبد والبنكرياس قد يساعد على استعادة جزء من الوظيفة الطبيعية لهذين العضوين لدى بعض المصابين.
إن قصة السكري خلال نصف القرن الماضي تمثل نموذجاً واضحاً لكيفية تطور المعرفة العلمية. فما كان يُعتقد أنه مرض ناتج عن الإفراط في تناول السكر فقط أصبح يُفهم اليوم بوصفه اضطراباً معقداً تشترك في حدوثه عوامل وراثية واستقلابية وسلوكية وبيئية متعددة. وربما تحمل السنوات القادمة مفاهيم جديدة أخرى، لكن الثابت حتى الآن أن الوقاية لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على النشاط البدني المنتظم، والحفاظ على وزن صحي، والتغذية المتوازنة، وهي مبادئ بقيت صحيحة رغم كل ما تغير من مفاهيم وتفسيرات.
