في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المعلومات الصحية والتغذوية تصل إلى ملايين الناس خلال دقائق معدودة، وهي فرصة كبيرة لنشر المعرفة، لكنها في الوقت نفسه تذكرنا بأهمية التمييز بين الرأي الشخصي والمعرفة العلمية المتخصصة.
فالعلوم الصحية اليوم أصبحت حقولاً واسعة ومتشعبة، ولم يعد من السهل الإحاطة بتفاصيلها الدقيقة خارج نطاق التخصص. وكما أن الطبيب المتخصص في القلب قد لا يدّعي الخبرة التفصيلية في جراحة الأعصاب، فإن علوم التغذية الحديثة أصبحت مجالاً قائماً بذاته، يعتمد على آلاف الدراسات المتراكمة التي تتطور مفاهيمها باستمرار.
ولا يعني ذلك أن الحديث عن التغذية يجب أن يقتصر على فئة محددة، فالمعرفة حق للجميع، وتبادل الخبرات أمر مفيد، لكن من المهم أن يدرك المتلقي أن بعض ما يُطرح قد يكون رأياً أو تجربة شخصية أو قراءة جزئية للأدلة العلمية، وليس بالضرورة حقيقة علمية مستقرة.
وتزداد أهمية هذا التمييز لأن القرارات الغذائية تؤثر يومياً في صحة ملايين الناس، وقد يترتب عليها نتائج طويلة المدى تتجاوز ما نتوقعه. لذلك فإن أفضل ما يمكن أن يقدمه المختص أو الإعلامي أو المؤثر هو توضيح حدود ما يعرفه، والإشارة إلى مستوى الأدلة العلمية التي يستند إليها، والاعتراف بأن العلم يتطور وأن كثيراً من القضايا الصحية لا تزال محل بحث ونقاش.
وفي النهاية، لا تُقاس قيمة المعلومة بعدد متابعي من يقدمها، بل بمدى استنادها إلى الأدلة العلمية الرصينة وقابليتها للمراجعة والتحديث. فالعلم لا يتقدم بالأصوات الأعلى، بل بالأدلة الأقوى.
وأعتقد أن الجملة الأخيرة قوية ومناسبة لأسلوبك المهني:
"العلم لا يتقدم بالأصوات الأعلى، بل بالأدلة الأقوى."
