top of page

كثير من الأفكار التي نتداولها يومياً لا نؤمن بها بعد فحصها وتمحيصها، بل ورثناها عبر التكرار حتى أصبحت جزءاً من البديهيات الذهنية. فالمصطلحات الشائعة والتوصيفات المتداولة تمتلك قدرة كبيرة على تشكيل القناعات، خصوصاً عندما تتكرر عبر الأسرة والتعليم والإعلام والإعلانات والخطاب المهني، حتى يتحول استخدامها إلى نوع من التطبيع الفكري الذي يقلل من الميل إلى التساؤل والمراجعة.

ومن الأمثلة الشائعة ترديد عبارات من قبيل: هذا الغذاء يقوي الذاكرة، وهذا المنتج مفيد للبصر، وذلك المركب يحفز التفكير أو يبني العظام. ومع مرور الزمن تصبح هذه العبارات وكأنها حقائق مكتملة، رغم أن الواقع العلمي غالباً أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فوظائف الجسم لا تعتمد عادة على مادة منفردة أو غذاء بعينه، بل على منظومات حيوية متشابكة وعوامل متعددة تشمل الوراثة والعمر والحالة الصحية والنمط المعيشي والتغذية الكلية.

إن المشكلة لا تكمن في وجود عناصر غذائية أو مركبات قد يكون لها دور معين، بل في اختزال الظواهر الحيوية المعقدة إلى عبارات مبسطة ومطلقة. فالمصطلح المكرر قد يحجب عنا رؤية الأسئلة الأهم: ما حجم التأثير الحقيقي؟ وفي أي ظروف يظهر؟ وما حدود الأدلة العلمية التي تدعمه؟ وهل ينطبق على الجميع بالدرجة نفسها؟

لقد علمتنا المراجعات العلمية الحديثة أن كثيراً من المفاهيم الرائجة تحتاج إلى إعادة نظر مستمرة، وأن المعرفة العلمية ليست مجموعة من الشعارات الثابتة، بل عملية مراجعة دائمة لما نعتقد أننا نعرفه. ولذلك فإن الوعي لا يبدأ بحفظ المصطلحات، بل بالقدرة على مساءلتها وفهم حدودها والتمييز بين ما ثبت بالدليل وما استقر فقط بفعل التكرار.

إن أخطر ما يواجه التفكير ليس الجهل المباشر، بل الألفة مع أفكار لم تعد تُسأل. فحين يتحول المصطلح إلى مسلمة، تتراجع مساحة النقد والمراجعة، بينما يبدأ التقدم العلمي الحقيقي من السؤال الذي يجرؤ على إعادة النظر فيما اعتدنا ترديده

اخلاء مسؤولية: المحتوى للتوعية الوقائية ويطرح الموقف العلمي العام وليس بديلا عن التشخيص واستشارة الطبيب او المختص.

bottom of page